السيد نعمة الله الجزائري
217
الأنوار النعمانية
ذلك في الأزل فلو لم افعله لكان قد انقلب علمه سبحانه جهلا ، فهو على عيانه يرى أن له الاجر والاحسان على اللّه تعالى حيث إنه لم يخالف علمه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، ومن هذا الأصل ذهبوا إلى ذلك الفرع الذي امتازوا به عن جميع الملل والأديان ، وهو القول بأن العبد ليس له قدرة ولا اختيار على افعاله بل المؤثر فيها والموجد لها هو اللّه سبحانه ، فهو الذي جبّر عبده على الكبائر والمعاصي ومع هذا عاقبه عليها لأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . والتحقيق ان علمه سبحانه تابع للمعلوم والمعلوم كاشف عنه فعلى أي نحو وقع المعلوم يكون كاشفا عن أن اللّه سبحانه قد علمه على هذا النحو ، لان علمه الأزلي غير معلوم لنا وانما نعلمه بوقوع المعلومات ، والأشاعرة قالوا إن المعلوم تابع للعلم ونحن نقول إن العلم تابع للمعلوم ، وسيأتي تحقيقه ان شاء اللّه تعالى في نور افعال العباد . واما القدرة ومساوقه وهو الفضا فالكلام فيهما مشكل ومع ذلك فقد ورد النهي عنه عن مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام روى الصدوق باسنادع إلى الأصبغ بن نباتة قال قال أمير المؤمنين عليه السّلام في القدر الا ان القدر سرّ من سر اللّه وحرز من حرز اللّه مرفوع في حجاب اللّه مطوي عن خلق اللّه مختوم بختام اللّه سابق في علم اللّه وضع اللّه العباد عن علمه ، ورفعه فوق شهاداتهم ومبلغ عقولهم ، لأنهم لا ينالونه بحقيقة الربانية ولا بقدرة الصمدانية ولا بعظمة النورانية ولا بغرة الوحدانية لأنه بحرز آخر خالص للّه عز وجل ، عمقه ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب اسود كالليل الدامس كثير الحيّات والحيتان يعلو مرة ويسفل أخرى في قعرها شمس تضيء ، لا ينبغي ان يطلّع عليها الا اللّه الواحد الفرد فمن تطلّع عليها فقد ضادّ اللّه عز وجل في حكمه ونازعه في سلطانه وكشف عن ستره وسرّه وباء بغضب من اللّه ومأويه جهنم وبئس المصير . فهذا مما يدلّك على أن تحقيق هذا المقام مما حجب عن ابصار العقول فلا ينبغي التفّكر فيه لأنه يؤل إلى مكان دقيق فيرجع العقل عنه متلبسا بمذهب أهل الحبر ، ولكن لا بدّ لنا من الكلام في نوعين من أنواع الأحاديث . النوع الأول الأخبار الدالة على أنه سبحانه قد قضى وفعل ما كان وما يكون ولم يبق شيء من افعاله الأبدية تحتاج إلى صنع جديد فهو قد فرغ من الامر ، منها ما رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال اوّل ما خلق اللّه القلم فقال له اكتب فكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، رواه أيضا باسناده إلى عبد الرحيم القصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال سألته عن نون والقلم ، قال إن اللّه تعالى خلق القلم من شجرة في الجنة يقال لها الخلد ثم قال لنهر في الجنة كن مدادا فجمد النهر وكان اشدّ بياضا من الثلج وأحلى من الشهد